ياسر عرفات «أبو عمار»: دراسة في فن البقاء
Table of Contents:
- ياسر عرفات «أبو عمار»: دراسة في فن البقاء
- Page 2
«من الخطأ من جانبنا تجاهل حقيقة تمثيل عرفات لشعبه في آماله، ويأسه، واخطائه، ولغته. ومن الوهم الظن ان عرفات اذا ما ذهب فستحل مشاكلنا».
الكلام لشمعون بيريز. وكان بيريز صادقا مع الحقيقة هذه المرة. وهذه الشهادة من خصم وعدو تلخص سر بقاء أبو عمار رمزا لكفاح شعبه معظم النصف الثاني من القرن العشرين.
وكما كان الحاج امين الحسيني آخر عمامة على رأس الزعامة الفلسطينية، فعرفات هو آخر كوفية على رأس هذه الزعامة. انها رمز لالتصاق زعيم بأرض وشعب. وبعده ستكون الكوفية على رأس اي زعيم آخر غريبة ومصطنعة و«فولكلورا» من الماضي.
ولعلي لست مخطئا اذا فسرت «تمثيل عرفات لشعبه» بكلمة واحدة: «الاستقلالية». وحتى في ذروة الخطأ الكبير الذي ارتكبه بتصديق الاحلام الوردية التي وعده بها صدام قبيل احتلال الكويت، ظل عرفات مستقلا في حركته وتنظيمه، فيما كانت الزعامات الفلسطينية الاخرى امتدادا لانظمة عربية او مرآة لآيديولوجيات مختلفة.
هذه «الاستقلالية» اقترنت في الحالة العرفاتية بنقيض مغاير لها تماما: «الاستمرارية!» نعم، استمر عبد الناصر ثماني عشرة سنة، واستمر الحسن والحسين وبورقيبة وصدام وحافظ الاسد اكثر من ثلاثين سنة، لكن عرفات الذي ما زال «مستمرا» يختلف عنهم جميعا. فقد استمر بلا ارض، وبلا دولة، وبلا سلطة. بل استمر وشعبه محاصر في الداخل ومبعثر ومشرد في الخارج.
من الصعب ان تستمر طافيا على السطح وانت تجسد جيلين مهزومين، جيل النكبة وجيل النكسة. ومن الصعب ان تستمر في عصر اتسم بالمؤامرة والدماء والانقلاب. ومن هنا فاستمرار قيادة عرفات يعتبر ظاهرة موسوعية تستحق التأمل والدراسة. وهو في شخصه يشكل مؤسسة او مدرسة في فن البقاء والاستمرار.
واستطيع ان الخص الدرس الاول في فن البقاء عند عرفات بكلمة واحدة ايضا: «الديبلوماسية». لولا ديبلوماسية عرفات لما استطاع هذا المخلوق السياسي المحترف ان يتكيف مع كل الظروف والانعطافات، ولما استطاع ان يتعايش مع 22 زعيما عربيا، وان يحاور ويصادق كل هذه الكمية من زعماء العالم، بل لم يكن ليستطيع ان يحول بندقيته الى حقيبة، ويعود فيحول الحقيبة الى بندقية.
وديبلوماسية عرفات تختلف عن الديبلوماسية التقليدية والرسمية. فهو يوظف فيها جملة عناصر وعوامل ومؤثرات لصالحه ولصالح قضيته. ولا شك في ان عدالة هذه القضية تخدم ديبلوماسيته، لكن شخصيته واسلوبه يضفيان على ديبلوماسيته حيوية حارة تضمن لقضيته البقاء في واجهة الاهتمام العربي والدولي.
عرفات انسان بسيط غير معقد في فكره وديبلوماسيته، الامر الذي يجعله محاورا خفيف الظل ومقبولا لدى الجميع. فهذه الكتلة اللحمية الضائعة الابعاد طولا وعرضا تقبل عليك هاشة باشة لتحاصرك بالعناق والقبلات متجاوزة حتى السباب والشتيمة.
لا يعني ذلك الاستهانة بذكاء عرفات الفطري وقدرته على الاقناع والتأثير، او التخلص والانسحاب والاعتذار وصولا الى المناورة. وكل هذه المواهب المكتسبة عبر الخبرة والتجربة الطويلتين لا تضاهي ايضا طاقة الصبر والتحمل لديه. ولا اظن زعيما اخر مثله قادرا على التجلد والتماسك وهو يتلقى في كل لحظة مفاجأة او خبرا سيئا.
بل اذهب الى القول ان كل حواس عرفات القيادية تستنفر في الظروف الاستثنائية. وهذه الشجاعة المتناهية تضافرت مع الحظ في توفير الاستمرارية له والنجاة في كل حروبه، من حربه في الاردن، الى حربه في لبنان، الى حصار شارون له في بيروت، الى حروبه مع السوريين في صيدا والبقاع وطرابلس والمخيمات، الى سقوط الطائرة به في الصحراء.
ولا شك ان عرفات يخوض اليوم مواجهة مع الاسرائيليين لعلها اشد حروبه واقصى تجاربه. واسرائيل مذهولة امام عجز قوتها المتفوقة عن القضاء على الانتفاضة. ولا عجب ان يركز شارون حملته على عرفات، لتصفية حساب بينهما عمره من عمر غزو لبنان قبل نحو عشرين سنة.
وعرفات ليس بحاسوب الكتروني او مفكر استراتيجي. لكنه رجل تكتيك قادر بفوضاه العفوية على بث البلبلة والارتباك والشك في الرصيف المقابل، بحيث يبدو لغزا محيرا لشارون وللاسرائيليين، وفي احيان كثيرة للعرب والفلسطينيين.
لكن التمرس الطويل بفن البقاء سمح لعرفات بالتمييز بين ما هو مسموح ومقبول وممنوع. كان يعرف ان العجز العربي يتقبل منه التحول من البندقية الى الحقيبة والاعتراف باسرائيل. وكان يعرف كيف يضع العرب وقيادات الداخل الفلسطيني امام الامر الواقع في اوسلو. غير انه رفض التنازل عن القدس على الرغم من العرض الاسرائيلي «السخي» في الضفة وغزة، وفضَّل الدخول في مواجهة مع كلينتون وفي حرب مع باراك وشارون على ان يبدو مفرطا بالحقوق والمقدسات امام العرب والفلسطينيين.
سبق لي ان قلت هنا مرارا وتكرارا ان الزعيم في مركز القيادة لا يملك ان يخون. وصحيح ان الفلسطينيين يجنون اليوم الكوارث من خطأ التصرف المنفرد في اوسلو، لكن كل محاولة لـ«تخوين» عرفات تزيد في بلبلة الشارع الفلسطيني والعربي. ومن السذاجة المتناهية ان يقع الاعلام العربي في اسر الدعاية الاسرائيلية والغربية ضد عرفات، فيساير الحملة عليه ويروّج لفكرة تغييره. فمن الخطأ تغيير الحصان خلال المعركة، او حتى التفكير بمحاسبته ومساءلته.
بل الواجب القومي يفرض على العرب دعم عرفات ومساندته كيلا ينفرد به شارون لتصفيته سياسيا او جسديا. لكن لا اجد في مشاق الصعود الى قمة عربية جديدة يدعو هو اليها، ما يفيد في دعمه. فهذه القمة ستكون محرجة للعرب انفسهم لانها ستظهر مرة اخرى عجزهم عن مواجهة اسرائيل عسكريا. ولعل اكبر فائدة لعرفات والفلسطينيين هي في استمرار الضغط الديبلوماسي السعودي والمصري والاوروبي على ادارة بوش للاسراع في انزال المراقبين على خطوط المواجهة في الضفة وغزة.
مع ذلك، لا بد من الحذر. فوجود مراقبين اميركيين او دوليين قد لا يصبّ في مصلحة الفلسطينيين. فهؤلاء عاجزون عن ضبط الاسرائيليين كما هو حال المراقبين الاميركيين الموجودين في الخليل منذ مجزرة الحرم الابراهيمي في عام 1994، فيما يمكن لهم بسهولة ضبط الفلسطينيين «متلبسين» باستفزاز الاسرائيليين.
الرقابة الاميركية او الدولية ستكون عبئا وقيدا على الانتفاضة، ما لم تفك القوات الاسرائيلية الحصار عن مدن الضفة وغزة، وما لم يتم وضع جدول زمني لتنفيذ الالتزامات الاسرائيلية واستئناف المفاوضات.
ثمة هواجس عربية بان هناك رغبة جارفة لدى بعض القيادات الفلسطينية الميدانية، ولا سيما الاصولية منها، في نشوب حرب بين العرب واسرائيل.
الشرق الأوسط




